فصل: سورة الواقعة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (62- 78):

{وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (62) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (63) مُدْهامَّتانِ (64) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (65) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (66) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (67) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (69) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (70) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (71) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (72) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (76) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (77) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (78)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
أي ومن دون هاتين الجنتين اللتين ذكرهما اللّه سبحانه وتعالى في قوله جلّ شأنه: {وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ} أي ومن دون هاتين الجنتين جنتان أخريان، أنزل منهما درجة، وأدنى منزلة، وإن كان ما فيهما من النعيم ممّا لا يحيط به وصف، وإن القطرة منه لتوازى ما عرف الناس جميعا من نعيم الدنيا.
وهذا يعنى أن أهل الجنة ليسوا على درجة واحدة.. وهذا طبيعى، إذ لم يكن المحسنون على درجة سواء في الإحسان.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} [163: آل عمران] وقد جاء بيان ذلك في سورة الواقعة التالية لهذه السورة، وفيها يقول سبحانه: {وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [7- 11: الواقعة].. فالناس في الآخرة، على ثلاثة أحوال: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، والسابقون من أصحاب اليمين وكل حال من تلك الأحوال الثلاثة درجات كثيرة، يختلف بعضها عن بعض، صعودا ونزولا.
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} إشارة إلى أن هاتين الجنتين، مجردتين من أي وصف، هما نعم جليلة من نعم اللّه، لمن ظفر بدخولهما.. {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ} [185: آل عمران].. وأي فوز أعظم من النجاة من النار، ولو كان في الحياة بالعراء؟ فكيف بالنجاة من النار، ثم دخول الجنة، والفوز بنعيمها؟
قوله تعالى: {مُدْهامَّتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
هذا وصف لما في هاتين الجنتين من أشجار، وهى أشجار متشابكة الأفنان، وإن لم يكن في ظلها هذا الصفاء البلورى. وإنما في ظلها شيء من الكثافة التي تجعل الظل ذالون أدهم، كلون الشفق عند الغروب.. وهذا الظل هو نعمة، بل نعم تضاف إلى هاتين الجنتين، وتستوجب الحمد والشكر ان للّه رب العالمين.
قوله تعالى: {فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
النضخ، والنضح، بمعنى، إلا أن النضخ أكثر إعطاء للماء من النضح.
كما يشعر بذلك ثقل الخاء، وخفة الحاء، فعلى مقدار وزن كل منهما يكون قدر كلّ من النضخ والنضح من الماء.
أي أن في هاتين الجنتين عينى ماء تضخان الماء ضخا، في دفعات متتالية، ولا ترسلانه متدفقا كهاتين العينين اللتين في الجنتين السابقتين، كما يقول سبحانه:
{فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ}.
وليس هذا عن ضنّ من اللّه سبحانه وتعالى، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا، وإنما هو عطاء يفرّق فيه بين أهل الإحسان، حيث ينزل كل منهما منزله الذي هو أهل له، وذلك هو عدل اللّه، الذي يجرى مع إحسانه، ويضبط موازينه.
قوله تعالى: {فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
وهذا فرق آخر بين الجنتين العاليتين، وبين الجنتين اللتين دونهما، وذلك في ثمار الجنتين، هنا وهناك.. فالجنتان العاليتان {فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ}.
فهما يحويان كل فاكهة معروفة وغير معروفة، مما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر {مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ}.
وهاتان الجنتان الأخريان {فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} إن فيهما فاكهة، ولكن لا على سبيل الشمول، كما في وصف الجنتين العاليتين في قوله تعالى: {فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ}.
ومن فاكهتهما النخل والرمان.. ومع أن ثمر النخل والرمان ليس أكرم الثمر ولا أطيبه، ولكنه إذا كان من ثمر الجنة، فهو من الطّيب والكرم، بحيث تعدل الثمرة منه فواكه الدنيا وثمرها جميعا.
قوله تعالى: {فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
أي في هاتين الجنتين خيرات، ومع أن الخيرات مستغنية عن الوصف بذاتها، لأنها خيرات لا يجيء منها إلا كل ما هو خير، فقد وصفت بأنها حسان، تحقيقا لكمال الخيرية فيها، ومحضها للخير الخالص، وعزلها عن الخير الذي يشوبه شيء مما يكدّر صفوه، إذ كثيرا ما يشوب الخير ما ليس منه.. ولهذا كانت هذه الخيرات الحسان التي تطلع على أصحاب هاتين الجنتين- آلاء تحمد وتشكر، على أية صورة كانت عليها، وعلى أي وجه تجيء به، وحسبها أنها خيرات، وخيرات حسان!! يكرم اللّه سبحانه بها، المكرمين من عباده.
قوله تعالى: {حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
فإذا انكشف وجه هذه الخيرات الحسان، كنّ حورا مقصورات في الخيام.. يقابلن هؤلاء الحور اللائي في الجنتين العاليتين واللاتي ذكرهن اللّه سبحانه وتعالى في قوله:
{فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ}.
وإنه لفرق بين هؤلاء وأولئك، وإن كن جميعا على صورة من الحسن والجمال لم تقع العين على مثلها.
ففى قوله تعالى: في حور الجنتين العاليتين {قاصِراتُ الطَّرْفِ} إشارة إلى ما في هؤلاء الحوريات من خفر، وحياء، وعفة، وأن ذلك في أصل خلقهن.. وفى قوله تعالى: في حور الجنتين الأخريين: {حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ} إشارة إلى أن هؤلاء الحوريات قد قصرتهن الخيام وحجبتهن عن العيون، وحجبت العيون عنهن.. وهذا لا يمنع من أن يكون لهن ما لأخواتهن من الخفر والحياء.
ولكن شتان بين خفر وحياء مطلقين، وخفر وحياء مقصورين، مقيدين.. ذاك قد امتحن وجرب، فظل ثابتا، لم تنل منه التجربة والامتحان، وهذا لم يمتحن ولم يجرب بعد!.
وقوله تعالى: {حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ} هو بدل مبيّن لقوله تعالى: {خَيْراتٌ حِسانٌ} فالخيرات الحسان، هن أولئك الحور المقصورات في الخيام.
والحور: جمع حوراء، وهى ما طاف بمقلتيها طائف من السواد الطبيعي، أشبه بالكحل، يزيد العيون حسنا، ويلقى عليها فتنة وسحرا.
يقول جرير:
إن العيون التي في طرفها ** حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ** وهن أضعف خلق اللّه إنسانا!

قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
مضى تفسير هذه الآية فيما سبق.
قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ}.
هو مقابل لقوله تعالى في وصف حال أهل الجنتين العاليتين: {مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ}.
الرفرف: المسند، ووصف بلفظ الجمع {خضر} إشارة إلى أن لكل من أهل الجنة مسندا خاصا يتكئ عليه.. والمساند جميعها ذات لون واحد.. فهى مفردة في صفوفها، جمع في لونها.
والعبقرىّ: الجيد من البسط: الخارق للعادة في دقة صنعه.
والعبقري: نسبة إلى عبقر وهو واد كانت العرب تعتقد في جاهليتها أنه موطن الجن، وإلى الجن تنسب الأعمال الخارقة التي تتجاوز حدود الطاقة البشرية، ومنه سمى العبقري وهو الذي يجيء في أفعاله بالخارق والمعجز لغيره.
وهنا فرق آخر يظهر في متّكأ أصحاب كلّ من الجنتين العاليتين، والجنتين الواقعتين تحتهما.
فعلى حين يتكئ أصحاب الجنتين الأوليين على فرش بطائنها من ديباج، وحشوها من حرير، وعلى حين أن هذا الاتكاء لا يباعد بينهم وبين ثمر الجنة الذي يكون بين أيديهم في أي وضع يكونون عليه، كما يقول سبحانه: {مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ} يكون متكأ أصحاب الجنتين الأخريين على رفارف أي مساند خضر، لم تعرف المادة المشكلة منها.. أهى حرير أم غير حرير، وإن عرف أن هذه المساند مبثوثة على بسط حسان، كما لم يعرف إن كان هذا الاتكاء يباعد بين المتكئين وبين ثمر الجنة، فلا تناله أيديهم إلا إذا غيروا من وضعهم، واعتدلوا في جلستهم.. أم أنهم ينالونه من قريب؟.
ونعود مرة أخرى فنقول، إن هذه التفرقة بين حال أصحاب الجنة، هي أمر لازم، يقضى به عدل اللّه، فكما فرق هذا العدل بين المحسنين والمسيئين، فأنزل هؤلاء الجنة، وأنزل أولئك النار- كذلك فرق هذا العدل بين المحسنين أنفسهم، فأخذ كلّ منهم منزلته حسب إحسانه.. وبهذا يعمل المحسنون على أن يزدادوا إحسانا. حتى لا يقصّر بهم سعيهم، ويسبقهم السابقون إلى الدرجات العلا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [132: الأنعام].
قوله تعالى: {تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ}.
وبهذه الآية الكريمة، تختم السورة الكريمة، حيث يلتقى ختامها مع بدئها هذا اللقاء المبارك الميمون الذي يزاوج بين رحمة الرحمن، وكرم الكريم.. فلقد بدئت السورة بالاسم الجليل {الرحمن}.
وختمت بالتبريك لهذا الاسم العظيم، الذي يتجلى على عباده بجلاله، وعظمته وكرمه!.
فالاسم المشار إليه في قوله تعالى: {تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} هو هذا الاسم الكريم {الرحمن} الذي بدئت به السورة، والذي عرضت فيه آياتها آلاء اللّه ونعمه التي أفاضها على عباده، وكان من حق كل نعمة منها أن يلقاها الثقلان بالحمد والشكر، وإن كان حمدهما وشكرهما لا يقوم بحق نعمة منها.
ولهذا كان اللّه سبحانه وتعالى هو الذي بارك نفسه، وحمد ذاته، ليجبر تقصير العباد، وليؤدى عنهم هذا الدّين الذي عجزوا عن أدائه، حتى لا يقطع عنهم أمداد هذه النعم، ولا يأخذهم بعجزهم وتقصيرهم عن أداء حق شكرها وحمدها.. فسبحانه، سبحانه، من رب رحمن، رحيم، كريم.. يوالى النعم على عباده، ثم يقوم عنهم بأداء الشكر عليها، والحمد لها.
يقول الإمام النسفي: كررت هذه الآية- أي {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} إحدى وثلاثين مرة، ذكر ثمانية منها عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق اللّه وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، على عدد أبواب جهنم، وبعد هذه السبعة، ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى (أي المذكورات في أول السورة) وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة، وأغلقت عنه أبواب جهنم، نعوذ باللّه منها.

.سورة الواقعة:

نزولها: مكّية عدد آياتها: ست وتسعون آية.
مناسبتها لما قبلها:
كانت سورة الرحمن السابقة على هذه السورة معرضا جامعا لآلاء اللّه سبحانه وتعالى على عباده، من جنّ وإنس، ابتداء من خلقهم، وعلى امتداد مسيرتهم في الحياة الدنيا، وتقبلهم في شئونها، إلى موتهم، وبعثهم، وحسابهم، وإنزالهم منازلهم- حسب أعمالهم- في الجنّة أو النار.
وقد تضمنت السورة- سورة الرحمن- عرضا مبسوطا، مفصّلا لنعيم الجنّة، ومنازل أهلها من هذا النعيم، حسب أعمالهم كذلك- فجاءت سورة الواقعة، مبتدئة بالكشف عن وجه يوم الجزاء، وأنه واقع لا شك فيه.
ثم جاءت بعد هذا لتؤكّد ما تقرر في سورة الرحمن من اختلاف أحوال الناس، في هذا اليوم، وتباين درجاتهم.. في الجنة، ودركاتهم في النار.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 26):

{إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (2) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (3) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (7) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (25) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (26)}.
التفسير:
قوله تعالى: {إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ} جملة شرطية وجوابها.
ووقوع الواقعة، مجيئها، وحدوثها، والواقعة، القيامة، وسميت وسميت واقعة لأنها تقع فجأة على غير انتظار.. وكلّ شيء يحمل نذر الشّرّ يعبّر عن مجيئه بالوقوع، كأنه يسقط على الناس من فوق، فلا يملكون له دفعا، كقوله تعالى: {وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا} [85: النمل] وقوله سبحانه: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ} [134: الأعراف] وقوله جل شأنه: {وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} [82: النمل].
ووقوع يوم القيامة إيذان بدخول الناس في تجربة قاسية. وفى امتحان عسر.. كما يقول سبحانه: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [2: الحج].
وقوله تعالى: {لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ} هو جواب الشرط: {إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ} أي أنه إذا وقعت الواقعة، فليس هناك من يكذّب بها من هؤلاء الذين كانوا ينكرون البعث والقيامة ويكذبون من يحدثهم عنه، لأنهم يكونون حينئذ أمام واقع مشهود، لا سبيل إلى إنكاره والمكابرة فيه.
قوله تعالى: {خافِضَةٌ رافِعَةٌ}.
أي هي خافضة ورافعة لأقدار الناس ومنازلهم، حيث ينزل كل إنسان منزله في هذا اليوم.. فريق في الجنة، وفريق في السعير.
قوله تعالى: {إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً}.
هذه الآيات، هي بيان لما يقع في هذا اليوم من أحداث، وكأنها جواب عن سؤال هو: متى تقع الواقعة؟ فجاء الجواب لا لبيان وقتها، وإنما لبيان الأهوال التي تطلع على الناس منها، فذلك هو المهمّ في هذا الأمر، وهو الذي ينبغى الالتفات إليه، والإعداد له، والعمل على النجاة منه.. أما الوقت الذي تقع فيه الواقعة، فليس بالأمر المهمّ، بعد أن تأكد أن وقوعها آت لا شكّ فيه. وإنما المهم هو الاستعداد للقاء هذا اليوم، الذي لا مفر منه.
ففى هذا اليوم ترجّ الأرض رجّا، أي تضطرب اضطرابا شديدا لما يجرى عليها من أحداث، حيث تندكّ الجبال، وتخر متداعية، متناثرة، فلا يبقى منها حجر على حجر، بل إن هذه الأحجار تتحول إلى ذرات تذروها الرياح كأنها العهن المنفوش.
فقوله تعالى: {وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا} أي طحنت طحنا.
وقوله تعالى {فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا} أي صارت ذرات منتثرة في الفضاء، كالغبار المتطاير مع الرياح.
هذا، وقد قلنا في أكثر من موضع إن هذا التبدل الذي يبدو من عوالم الوجود وكائناته، إنما هو لتبدّل موقف الإنسان من هذه العوالم، ولما تحدث من اختلاف بعيد بين معطيات جوارحه في الدنيا، ومعطياتها في الآخرة، حيث تنكشف له حقائق الموجودات.. إنّ الإنسان في هذه الدنيا يرى من الأمور ظواهرها، وظلالها، ولكنه في الآخرة يرى صميمها وحقيقتها.
فرجّ الأرض رجّا، هو ما تراه العين يوم القيامة، من وضع الأرض، حيث تبدو على حقيقتها، كرة معلقة في الفضاء، تجرى في سرعة عظيمة، أشبه بالبالونة بين يدى الريح.
وبثّ الجبال بثّا، حتى تكون كالهباء المنبث، المنتشر، هو ما تراه العين من الجبال. على مدى بعيد منها، حيث تبدو الجبال، وكأنها في صغرها الهباء المبثوث.
وقوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً} إشارة إلى ما يكون عليه الناس يومئذ، وهو أنهم يتناثرون، ويتفرقون فرقا ثلاثا، كل فرقة تجتمع إلى بعضها أزواجا، جن وإنس، أو ذكر وأنثى.
قوله تعالى: {فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}.
هو بيان للأزواج الثلاثة التي يضمها المحشر يومئذ من عالمى الجن والإنس، أو من ذكور الناس وإناثهم.
فأصحاب اليمين في جانب، وأصحاب الشمال في جانب، والسابقون في مكان فوق هؤلاء وأولئك جميعا.
وفى قوله تعالى: {ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ}.
استفهام يراد به إلفات الأبصار إلى أصحاب الميمنة، والإشارة إلى مكانهم الذي ينعمون هم فيه، وما يظلهم هناك من أمن وسكينة.
وفى قوله تعالى: {ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ} استفهام يراد به كذلك إلفات الأبصار إلى أصحاب المشئمة، والإشارة إلى مكان هؤلاء المناكيد، وما يغشاهم فيه من همّ وبلاء.
والميمنة، من اليمن، والبركة.
والمشئمة، من الشؤم، وسوء الحال.
والسابقون، هم أهل السابقة إلى الإيمان في كل أمة، ممن سبقوا إلى الإيمان باللّه، والاستجابة لرسل اللّه.. فهؤلاء في مكان مكين عند اللّه، لا يكاد يلحقهم فيه أحد ممن يجيء بعدهم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى}! (10: الحديد) وفى تكرار السابقين في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}.
إشارة إلى هذا المقام المكين الذي لهم عند ربهم، وأنهم في هذا المقام، لا يتحولون عنه، وهو مقام السبق أبدا.
فالسابقون الأولى مبتدأ، والسابقون الثانية خبر، أي السابقون هم السابقون دائما أبدا.
وفى تعريف طرفى الجملة- المبتدأ والخبر- ما يفيد القصر.. أي قصر السبق عليهم وحدهم، وأنهم كما سبقوا إلى الإيمان باللّه في الدنيا، سبقوا إلى اللّه سبحانه في الآخرة، وكانوا أول من ينزل ساحة فضله ورضوانه.
قوله تعالى: {أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} إشارة إلى هؤلاء السابقين، وإلى هذا المقام الكريم الذي أحلهم اللّه سبحانه وتعالى فيه يوم القيامة، وأنهم هم أهل القرب من اللّه سبحانه.
وقوله تعالى: {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ} هو بيان للحال التي يكون عليها هؤلاء السابقون المقربون.. فهم في جنات النعيم، على سرر {موضونة} أي مطرزة، ومكللة.
وهم على هذه السرر في حال من الطمأنينة، والأمن، والرضوان، حيث يتكئون على هذه والسّرر اتكاء استرواح واسترخاء، يقابل بعضهم بعضا، وينظر بعضهم إلى بعض، فيرى كل منهم في وجه أصحابه نضرة النعيم، فيزداد نعيما ورضوانا، بهذا النعيم، وذلك الرضوان، الذي يراه وقد فاض على كل من حوله.
وقوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} إشارة إلى أن أهل السبق هؤلاء، الذين ينعمون بهذا النعيم، هم {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ}.
والثلة: الجماعة الكثيرة من الناس، وهم أولئك الذين سبقوا إلى الإيمان من كل أمة، فكانوا بهذا أشبه بالأعلام المنصوبة، يقتدى الناس بهم، ويأخذون طريقهم.. فهم الذين ارتادوا لأقوامهم الطريق إلى الإيمان، واحتملوا مع الرسل سفه السفهاء، وجهل الجاهلين من أقوامهم.. فكان لهم بهذا فضل لا يشاركهم فيه. إلا أفراد قليلون ممن جاءوا بعدهم.. ولهذا جاء قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} مبينا أن من يلحق بهم من بعدهم هم قلة بالنسبة إليهم.. إذ كان ذلك المقام لا ينال إلا في صحبة الرسل. أو من تبلغ به تقواه، ومجاهدته أن يكون مجدّدا لدعوة الرسول، متابعا لشريعته، خطوة خطوة.
قوله تعالى: {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} أي يمر عليهم، وهم في متكئهم هذا- {وِلْدانٌ}، أي غلمان {مخلدون} أي خالدون في هذا الشباب الدائم، الذي لا يتحول أبدا.. فهم مخلدون في حالهم تلك، كما يخلد أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.. أو أنهم مخلدون، أي تزين آذانهم بقروط من كريم المعادن، ونفيس الجواهر.
والأكواب: جمع كوب، وهو ما كان من الآنية بغير عروة.
والأباريق: جمع إبريق، وهو ما كان ذا عروة يمسك به منها.
والكأس: الإناء الذي يشرب فيه الخمر، ولا يسمى كأسا إلا إذا كان فيه الشراب.
والمعنى أن هؤلاء الولدان المخالدين الذين يلبسون ثوب الصبا أبدا، والذين تزين آذانهم بالقروط، دلالا وتنعما- يطوفون على هؤلاء المقربين بأكواب، وأباريق، وكئوس من معين، أي من عيون جارية من الخمر.
وفى جمع الأكواب، والأباريق، وإفراد الكئوس- إشارة إلى أن الأكواب والأباريق، هي التي تحمل الشراب لأهل المجلس، فإذا انتهى الولدان إليهم ملئوا لكل كأسه الذي يشرب منه، ولم يجيئوا إليهم بها مملوءة جميعها مرة واحدة.. ومثل هذا قوله تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا} [17: الإنسان] وقوله سبحانه: {يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ} [23: الطور].
قوله تعالى: {لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ} أي لا يصيبهم من شرب هذه الخمر ما يصيب شاربى خمر الدنيا من صداع، إذا جاوز الشارب قدرا معينا منها.. فهذه الخمر التي تقدّم لهؤلاء السابقين المقربين، لا يصيبهم منها هذا الصداع مهما شربوا منها، ومهما علّوا ونهلوا.
وقد ضمّن {يصدّعون} معنى الفعل {يصرفون} من غير أن يزايله المعنى الأصلى الذي له، وهو الصداع.. والمعنى أنهم لا يصرفون عن هذه الخمر بسبب صداع يصيبهم منها.. وهذا إعجاز من إعجاز النظم القرآنى.
وقوله تعالى: {وَلا يُنْزِفُونَ} أي لا يستهلكون لذتهم فيها يشرب ما يشربون منها، كما يحدث ذلك لشارب خمر الدنيا.. حيث تذهب لذة مدمنها بعد قدر محدود منها، بل إن لذتهم باقية أبدا، وإن ظلوا في شرب دائم لا ينقطع.
وهذا هو بعض الفرق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. فإن نعيم الدنيا- أو ما يسمى نعيما- إذا ناله المريء وأخذ منه حاجته، زهد فيه، وأصبح أىّ قدر يناله منه بعد هذا، مبعثا للألم، بل وضربا من العذاب.. أما نعيم الجنة، فإن لذته لا تنفد أبدا، ولا تنقطع شهوة المتصل به على امتداد الأزمان والآباد.. بل إنه كلما ازداد تناولا للشيء تجددت له لذات جديدة معه.
قوله تعالى: {وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ}.
أي ويطوف عليهم الولدان المخلدون كذلك بفاكهة كثيرة مختلفة، يتخيرون منها ما يشاءون.
قوله تعالى: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ}.
أي ويطوف عليهم الولدان بأنواع من لحوم الطير، مما تشتهيه أنفسهم وتطلبه.
قوله تعالى: {وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ}.
أي وتقبل عليهم، وتدعوهم إليهن {حور عين}.
والحور جمع حوراء، وهى التي في عينيها حور، وهو سواد في جفن العين يزيدها جمالا وفتنة.
والعين: جمع عيناء، وهى واسعة العينين، في جمال باهر، وسحر آسر.
وقوله تعالى: {كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ}.
أي متشابهات في حسنهن، وكمالهن، حتى لكأنهن حبات اللؤلؤ المصون، الذي لم يتغير لونه بالتعرض للشمس أو الهواء.
قوله تعالى: {جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ}.
أي أن كل هذا النعيم الذي يساق إلى هؤلاء المقربين، إنما هو جزاء لما كانوا يعملون في دنياهم من أعمال قائمة على ميزان الحق، والعدل، والإحسان.
قوله تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً}.
أي وفى هذا المجلس الكريم، الذي يضم أهل السبق والإحسان، والذي لا ينظرون فيه إلا وجوها مشرقة بنضرة النعيم، ولا يرد عليهم فيها إلا ولدان مخلدون يقومون على خدمتهم، وإلا حور عين مهيئين لهم- في هذا المجلس الكريم، لا يسمع أهله لاغية، ولا سخفا من لغو القول وهزله، وإنما يسمعون قولا كريما، هو {سلام}، سلام، من ربهم، أو من الملائكة الذين {يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ} أو مما يلقى به بعضهم بعضا من تحية كلها سلام في سلام.
فالاستثناء في قوله تعالى: {إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً} هو استثناء منقطع.
أو هو استثناء متصل يحمل معنى بلاغيا، هو تأكيد المدح بما يشبه الذم.
أي أنه إذا كان هناك من لغو أو تأثيم يسمعه أهل هذا المجلس الكريم، فهو هذا القول الذي يقال لهم في هذا المقام، وهو: سلام، سلام.. فإذا كان هذا هو اللغو والتأثيم، فكيف بما لا لغو فيه ولا تأثيم؟ وهذا غاية في تنزيه مجلسهم، وحفظ أسماعهم من أن يطوف بها شيء من اللغو أبدا.